محمد أبو زهرة
4549
زهرة التفاسير
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 ) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( 59 ) يبين اللّه تعالى أن إرسال الرسل للتبشير والإنذار ، وأن محاولة الذين كفروا إبطال الحق هو فرار من أن يستمعوا إلى النذير ينذرهم ، والبشير يبشرهم ، وما ذلك إلا من إمعانهم في الكفر والضلال ، ولقد قال تعالى في ذلك : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) . « ما » نافية ، و « إلا » استثناء ، فيكون في الكلام نفى وإثبات ، وهذا يفيد القصر ، أي ليس إرسال الرسل إلا لتبشير المؤمنين بالزلفى عند اللّه ، ودخول الجنة ، وإنذار الكافرين بالبعد عن اللّه وعن جنته ، وإن ذلك كان يوجب الاعتبار ، وتفهم ما جاء به الرسل ، والإيمان به لأنه خيرهم ومصلحتهم وتهذيبهم ، ولكنهم بدل أن يفتحوا عقولهم للتدبر وفقه الأمور ، أخذوا يعملون تفكيرهم في رد الحق فهم بمنأى عن شرع اللّه ، كمن يفرض على شئ علما ، فلا يتفهمه ، ويكون تفكيره في رده ، والتحايل على الخروج عنه ؛ ولذا قال : وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ ، يجادلون جدال مماراة ؛ ولذا قال : بِالْباطِلِ ، أي متلبسين في جدلهم بالباطل وتلبسهم بالباطل ، لأنهم يدافعون عنه ، ولأنهم يثيرون ترابا بهذا الجدل حول الحق ، ولأنهم يفكرون في دائرته ، وغايته إدحاض الحق ؛ ولذا قال : لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ، وأصل الدحض الزلق يقال : دحضت رجله ، أي زلقت ، ودحضت الشمس عن كبد السماء أي زالت ، فكان في الكلام مجاز بتشبيه الحق وقد ثارت حوله المثارات بجدلهم ، بمن تزلق قدمه فيسقط وإن ذلك غايتهم وباعثهم ، ولكنهم لا ينالونه ، وهو مبتغى لا يصلون إليه ، واللام هنا لام التعليل وبيان الباعث .